ابن كثير
271
البداية والنهاية
مضيت حتى إذا كنت بالهدة ، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين ، قال فنظرت فإذا خالد بن الوليد ، قال قلت أين تريد ؟ قال محمدا ، دخل الناس في الاسلام فلم يبق أحد به طعم ( 1 ) ، والله لو أقمت لاخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها ، قلت وأنا الله قد أردت محمدا وأردت الاسلام ، فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ، ثم اتفقنا ( 2 ) حتى أتينا المدينة فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح : يا رباح يا رباح يا رباح ، فتفاءلنا بقوله وسرنا ، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول : قد أعطت مكة المقادة بعد هذين ، وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد وولى مدبرا إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا فكان كما ظننت ، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ، ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا ( 3 ) عليه ، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا باسلامنا . فتقدم خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه . قال فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر ، فقال " إن الاسلام يجب ما كان قبله ، والهجرة تجب ما كان قبلها " قال : فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا ، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة ، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة وكان عمر على خالد كالعاتب . قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي : فذكرت هذا الحديث ليزيد بن [ أبي ] ( 4 ) حبيب فقال : أخبرني راشد مولى حباب بن أبي أوس الثقفي عن مولاه حبيب عن عمرو بن العاص نحو ذلك . قلت : كذلك رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن راشد عن مولاه حبيب قال حدثني عمرو بن العاص من فيه ، فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع ، وسياق الواقدي أبسط وأحسن . قال الواقدي عن شيخه عبد الحميد : فقلت ليزيد بن أبي حبيب : وقت لك متى قدم عمرو وخالد ؟ قال : لا إلا أنه قال قبل الفتح ، قلت : فإن أبي أخبرني أن عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان ( 5 ) ، وسيأتي عند وفاة عمرو من صحيح مسلم ما يشهد لسياق إسلامه وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته ، وكيف مات وهو
--> ( 1 ) في الواقدي : طمع . ( 2 ) في الواقدي : ترافقنا . ( 3 ) في البيهقي : حتى أطلعنا عليه ، وفي الواقدي : فانطلقنا جميعا حتى طلعنا عليه . ( 4 ) من الواقدي والبيهقي . ( 5 ) مغازي الواقدي 2 / 741 - 744 وسيرة ابن هشام ج 3 / 289 - 290 ودلائل البيهقي بسنده عن الواقدي ج 4 / 343 في باب : ذكر اسلام عمرو بن العاص .